مهدي في حرب 2023 في غزة

في بداية الحرب، كان مهدي جالسًا في البيت مع عائلته. لم نكن نعرف كيف ستتغير الأيام بهذه السرعة. عندما عرفنا أن الحرب بدأت، شعرنا بصدمة كبيرة. كان القصف قريبًا من بيتنا، وبقينا حوالي أسبوعين في البيت ونحن خائفون من صوت الصواريخ ومن المجهول.
بعد ذلك قررنا أن ننزح. ذهب مهدي مع العائلة إلى بيت جدي في منطقة الشجاعية، وبقينا هناك تقريبًا أسبوعًا. لكن القصف والتهديدات زادت، فانتقلنا إلى الشيخ رضوان، ثم إلى منطقة الدرج، ثم عدنا إلى الشيخ رضوان. كنا نتحرك كثيرًا، ولا نعرف أين الأمان. وكلمة “نزوح” تبدو كلمة صغيرة، لكنها في الحقيقة تعني تعبًا وخوفًا وحقائب وعيونًا لا تنام.
في الشيخ رضوان بقينا محاصرين أيامًا صعبة. وبعدها اقتحم الجيش الإسرائيلي البيت، واعتقل أبي. كانت هذه من أكبر الصدمات التي مرّت على مهدي وعلى عائلتنا. عندما يغيب الأب في الحرب، تشعر أن البيت كله صار ناقصًا، حتى لو كانت الجدران موجودة.
ذهبنا بصعوبة إلى مستشفى الشفاء. وبعد حوالي أسبوعين خرج أبي من الاعتقال، وبقينا في المستشفى أكثر من خمسة شهور. لكننا لم نستقر تمامًا، فقد كنا ننتقل بين الشفاء والشجاعية، وكأننا نبحث عن مكان يقول لنا: هنا يمكنكم أن ترتاحوا. لكن الحرب لا تترك الناس يرتاحون بسهولة.
ثم اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى، واعتقل أبي مرة أخرى، وبعدها أطلقه في الجنوب، فصار بعيدًا عنا. بقيت العائلة تتحرك وتحاول أن تنجو. وبعد ذلك ذهبنا إلى منطقة بين الشاطئ والنصر غرب غزة، وظننا للحظة أننا وجدنا مكانًا أهدأ.
لكن الصدمة الكبرى حدثت هناك. كنا جالسين، ثم قُصف البيت الذي كنا فيه. في تلك اللحظة فقدنا أخي الكبير مهدي وأمي. وأنا أصبت في قدمي وفي جسدي، وأصيب إخوتي أيضًا، لكن الحمد لله كانت إصاباتهم أقل خطورة. لا توجد كلمات تكفي لوصف هذه اللحظة. أحيانًا أشعر أن الكلمات صغيرة جدًا أمام الفقد.
كان مهدي سندي وروحي وقلبي. كان أخي، وصديقي، وجزءًا كبيرًا من حياتي. وأنا أكتب عنه لأنني لا أريد أن يصبح مجرد خبر أو رقم. مهدي كان طفلًا يحب المدرسة، والكرة، والكتابة، والرياضة، وكان يحب عائلته. كان له ضحكة وذكريات وأحلام.
نحن نحمد الله على كل شيء، حتى ونحن نتألم. وأتمنى أن تصل هذه الكلمات إلى كل من يقرأها: لا تنسوا مهدي. لا تنسوا الأطفال الذين كانت لهم دفاتر وألعاب وأحلام، ثم جاءت الحرب وغيّرت كل شيء. مهدي سيبقى في قلبي، وسأظل أكتب عنه ما استطعت.